بقلم حسن النجارشؤون سياسية

بقلم حسن النجار: الغريق لا يخشى البلل في منطق الدول

حسن النجار كاتب صحفي ومفكر سياسي في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم الاخباري

الوطن اليوم الاخبارية – من القاهرة – شؤون سياسية – 5 مارس 2026 

بقلم – حسن النجار

تقول الحكمة الشعبية إن “الغريق لا يخشى البلل”، وهي عبارة بسيطة في ظاهرها لكنها تختصر واحدة من أكثر الحقائق عمقًا في فهم السلوك الإنساني والسياسي.

فالإنسان عندما يشعر أنه فقد الكثير أو أن ما تبقى لديه مهدد بالضياع، يتغير ميزان الخوف لديه. ما كان يبدو مخاطرة كبيرة يصبح خيارًا ممكنًا، بل أحيانًا الخيار الوحيد المتاح.

هذا المنطق لا يقتصر على الأفراد فقط، بل يتكرر كثيرًا في سلوك الدول عبر التاريخ. فالدول، مثل البشر، تتخذ قراراتها ضمن حسابات الربح والخسارة. وعندما تشعر بأنها تخسر بالفعل أو أنها محاصرة في زاوية ضيقة، فإن سلوكها قد يتحول من الحذر إلى الجرأة، وربما إلى التهور.

التاريخ يقدم نماذج عديدة لهذا النمط. خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد الهزيمة الألمانية القاسية في معركة ستالينغراد عام 1943، كان من الممكن أن تتجه القيادة النازية إلى تقليص العمليات العسكرية أو البحث عن تسوية.

لكن ما حدث كان العكس تمامًا؛ فقد اتجهت ألمانيا إلى التصعيد وتكثيف استخدام التكنولوجيا العسكرية، بما في ذلك تطوير صواريخ V-2 rocket في محاولة لتغيير مسار الحرب. كان ذلك تعبيرًا عن عقلية الدولة التي تشعر أن التراجع لم يعد ينقذها.

وفي التاريخ القديم يظهر المثال الشهير للقائد القرطاجي هانيبال عندما قاد جيشه لعبور جبال الألب نحو إيطاليا في مواجهة روما خلال الحروب البونيقية.

تلك المغامرة العسكرية لم تكن مجرد خطة هجومية، بل كانت رهانًا استراتيجيًا قائمًا على فكرة أن قطع طريق العودة يدفع الجنود إلى القتال حتى النهاية.

هذا المنطق العسكري استخدمه قادة كثيرون عبر التاريخ كتكتيك متعمد. فبعض القادة كانوا يحرقون السفن بعد الوصول إلى أرض المعركة حتى لا يفكر الجنود في التراجع. الرسالة كانت واضحة: لا خيار سوى القتال. عندما يصبح التراجع مستحيلًا، يتحول الصراع إلى مسألة بقاء.

في السياسة الدولية الحديثة يظهر هذا النمط أيضًا. الدول التي تشعر بأنها محاصرة أو مستهدفة تميل أحيانًا إلى تبني سياسات أكثر حدة. فبدلًا من الاستجابة للضغوط بالتراجع، قد تختار التصعيد، لأن القادة يرون أن التراجع قد يفتح الباب لمزيد من الضغوط وربما لتهديد استقرار النظام السياسي نفسه.

وفي هذا السياق يمكن فهم جانب من سلوك إيران في صراعها الطويل مع الولايات المتحدة منذ الثورة الإيرانية 1979. فقد واجهت طهران على مدى عقود سلسلة من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية التي استهدفت اقتصادها ومصادر نفوذها الإقليمي.

وفي ظل هذا الواقع، اتجهت إلى بناء أدوات ردع متعددة، سواء عبر تطوير برامج عسكرية أو عبر توسيع شبكة حلفائها في المنطقة.

من منظور القيادة الإيرانية، فإن التراجع الكامل تحت الضغط قد لا يعني فقط خسارة النفوذ الإقليمي، بل ربما يفتح الباب لتهديد استقرار النظام نفسه.

لذلك تصبح المخاطرة أقل تكلفة من الاستسلام. هنا يظهر منطق “الغريق لا يخشى البلل”: عندما يكون البديل هو الغرق الكامل، فإن البلل لم يعد أمرًا يدعو للخوف.

لكن هذا المنطق يحمل في داخله قدرًا كبيرًا من الخطورة. فالتصرف من موقع الحصار أو الخسارة قد يدفع الدول إلى قرارات غير محسوبة، ويزيد احتمالات سوء التقدير. وفي العلاقات الدولية، قد يكفي خطأ صغير في الحسابات حتى يتحول التوتر السياسي إلى صراع مفتوح.

التاريخ يبين أن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها العسكرية أو الاقتصادية، بل بقدرتها أيضًا على إدارة لحظات الضعف. فالدول التي تنجح في عبور أزماتها هي تلك التي تدرك الفرق الدقيق بين الجرأة المحسوبة والمغامرة المدمرة.

وفي النهاية تبقى الحكمة الشعبية صحيحة إلى حد بعيد: الغريق لا يخشى البلل. لكن السؤال الأهم ليس لماذا لم يعد يخاف، بل كيف وصل أصلًا إلى حافة الغرق.

فالدول، كما الأفراد، لا تصل إلى تلك اللحظة فجأة، بل عبر سلسلة طويلة من القرارات الخاطئة والتوازنات المختلة والصراعات المتراكمة. وعندما يصل الغريق إلى تلك اللحظة، يصبح كل شيء ممكنًا… حتى أكثر الخيارات خطورة.

حفظ الله مصر حفظ الله الوطن حفظ الله الجيش المصري ورحم الله شهدائنا الابرار ؟

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى